دفعت مخاوف دونالد ترامب من الظهور بمظهر المفاوض الضعيف، جنباً إلى جنب حساسيته للانتقادات التي تتّهمه بالسعي لإبرام اتفاق يصبّ في مصلحة إيران، إلى إدخاله تعديلات جديدة على مُسوّدة مذكّرة التفاهم المُقترَحة، ما يخاطر بإطالة أمد التوصّل إلى اتفاق.
خلال عطلة «يوم الذكرى»، أعلن دونالد ترامب أنه سيتغيّب عن حفل زفاف ابنه الأكبر في جزر البهاما، كما ألغى خططاً لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في نادٍ للغولف يملكه في نيوجيرسي، ما أثار تكهّنات بأن الرئيس الأميركي بات مستعدّاً للكشف عن اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران. وعقب ذلك، أعلن ترامب أنه سيعقد اجتماعاً للحكومة في كامب ديفيد، وهو المجمّع الرئاسي في ولاية ميريلاند الذي لطالما كان موقعاً لقمم وإعلانات دبلوماسية تاريخية. إلا أنّه سرعان ما تمّ نقل الاجتماع إلى البيت الأبيض، بعدما بات واضحاً أن ساكنه لم يتمكّن من إبرام صفقة يمكنه الإعلان عنها. وفي ما وراء هذا التأخير، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ثلاثة مسؤولين قولهم إن ترامب «شدّد شروط إطار العمل المُحتمل للاتفاق»، وأعاد إرسال التعديلات المُقترحة إلى طهران للنظر فيها، فيما لم تتّضح على الفور طبيعة هذه التعديلات. وقال مسؤولان إن القلق يساور ترامب بشأن أجزاء من مذكّرة التفاهم المُقترحة، بما فيها إلغاء تجميد أموال إيرانية، علماً أن الرئيس كان قد انتقد بشدّة سلفه باراك أوباما لقيامه بالخطوة ذاتها في الاتفاق الموقَّع قبل أكثر من عقد من الزمان، والذي صِيغ للحدّ من برنامج إيران النووي.
من جهته، ذكر أحد المسؤولين أن ترامب يشعر بالإحباط أيضاً بسبب طول الوقت الذي استغرقته إيران للردّ على المُقترحات الأميركية، مشيراً إلى أن التعديلات التي تجعل المذكّرة أكثر صرامة، ربّما تهدف إلى تسريع العملية التفاوضية، وذلك عبر الضغط على إيران لقبول إطار العمل الذي أُرسل بالفعل إلى المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي. على أنه طبقاً للصحيفة، فإن تلك التعديلات قد لا تنتج سوى مزيد من التأخير، خصوصاً أن ترامب، طبقاً لما نقله موقع «أكسيوس» عن مصدرَين، طلب من فريقه إجراء تغييرات على البنود المتعلّقة بالبرنامج النووي الإيراني، والتي تنطوي حالياً على التزام من جانب إيران بعدم السعي للحصول على سلاح نووي، ولكنها لا تتضمّن «أيّ تنازلات محدّدة تتجاوز ذلك». كذلك، ذكرت «سي إن إن»، نقلاً عن مسؤولين، أن «ترامب أصرّ على صياغة أكثر تشدّداً بشأن التزامات إيران النووية وتعهّداتها بإعادة فتح مضيق هرمز»، وأنه «أعرب عن قلقه بشأن حجم المكاسب المالية التي قد تحصل عليها إيران في إطار الاتفاق».
وفي ضوء التعذّر المستمرّ في التوصّل إلى اتفاق، تساءلت صحيفة «ذا غارديان» البريطانية حول أسباب «استعصاء الصفقة على عملاق الأعمال الذي كتب الكتاب الأكثر مبيعاً لعام 1987: (فنّ الصفقة)». وفي محاولتها الإجابة على ذلك، أشارت الصحيفة إلى أنه «من خلال بدء حرب كانت تستهدف تغيير النظام في إيران، حصر ترامب نفسه في خيارات سيّئة في مجملها»، مضيفةً أنه «بالاستناد إلى المبادئ المحدَّدة في كتابه الشهير، فإن ترامب يجد نفسه في موقف ضعيف في مفاوضاته مع طهران»، في وقت يُعرف فيه الرئيس بأنه مُعجب بالقادة الأقوياء ويكره إظهار أيّ علامة ضعف. كما أن الرئيس «حساس» إزاء الانتقادات المتمحورة حول كون الاتفاق الذي يتفاوض عليه أسوأ بالنسبة إلى الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015 بين إيران والقوى العالمية الستّ، والذي توسّطت فيه إدارة باراك أوباما، قبل أن ينسحب منه بنفسه.
تكمن مشكلة ترامب الأساسية في أن إيران تمتلك أوراق ضغط أكثر منه، وهو ما يدركه القادة الإيرانيون
ومن جملة ما أكّده الرئيس الحالي في كتابه، أن «أسوأ شيء يمكن أن تفعله في أيّ صفقة هو أن تبدو يائساً لإتمامها، لأن ذلك يجعل الطرف الآخر يشمّ رائحة الدم، وعندها ينتهي أمرك». وفي المقابل، فإن «أفضل ما يمكنك فعله هو أن تُفاوِض من موقع قوة، وأوراق الضغط هي القوة الأكبر التي يمكن أن تمتلكها»، بحسب ما أضاف ترامب، معرّفاً «أوراق الضغط» بأن «يكون لديك شيء يريده الطرف الآخر». على أنه بحسب التقرير، تكمن مشكلة الرئيس الأساسية في أن إيران تمتلك أوراق ضغط أكثر منه، وهو «الامتياز» الذي يعيه القادة الإيرانيون تماماً. ففي 28 شباط، شنّ ترامب حرباً أميركية - إسرائيلية مشتركة ضدّ إيران، بدأت باغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي ومسؤولين عسكريين وسياسيين بارزين آخرين. وأغوت هذه البداية ترامب بتحقيق نصر عسكري سريع، على غرار ما أنجزه في كانون الثاني من خلال غارة نفّذتها القوات الخاصة الأميركية، وأدّت إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، ونقله سريعاً إلى نيويورك ليَمثل أمام المحكمة. على أنه، وبدلاً من أن ينجح ترامب وحليفه بنيامين نتنياهو في الإطاحة بالنظام الإسلامي الذي وصل إلى السلطة بعد الثورة الإيرانية عام 1979، انتهى بهما الأمر إلى «تعزيز قوته»، وذلك من خلال السماح لطهران ببسط سيطرتها على مضيق هرمز، في ما أدّى إلى أزمة طاقة عالمية وركود عالمي.
واللافت، طبقاً للتقرير، أنّ «الاتفاق الناشئ يركّز على حلّ مشكلة لم تكن موجودة أصلاً قبل أن يبدأ ترامب هذه الحرب، وهي إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام الشحن التجاري حتى تستقرّ أسعار النفط». وبموجب مُسوّدة جرى تداولها مع حلفاء واشنطن، فإن الأخيرة سترفع أيضاً حصارها عن الموانئ الإيرانية وتسمح لطهران بالوصول إلى نحو 12 مليار دولار من الأصول المُجمَّدة. وذكّر المصدر نفسه أن ترامب، وعقب رعايته لوقف لإطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» في غزة، ترك بعض المعضلات الأكثر تعقيداً، بما فيها نزع سلاح الحركة وتأمين الانسحاب العسكري الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية، لمفاوضات لاحقة لم ترَ النور قط، مضيفاً أنه مرّة أخرى، يبدو أن ترامب يهدف إلى إبرام اتفاق محدود مع إيران يرجئ المسائل الأكثر صعوبة إلى محادثات مستقبلية قد تمتدّ لشهور أو حتى سنوات، وذلك على الرغم من أنه هو نفسه كان قد استعرض هذه المخاوف - في مقطع فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي في 28 شباط - باعتبارها تهديدات وشيكة تشكّلها إيران على الولايات المتحدة، زاعماً أن هذه التهديدات هي السبب الرئيس وراء خوض الحرب. وختم التقرير بالإشارة إلى أنه «بطبيعة الحال، كان بإمكان ترامب تجنُّب بدء حرب لتغيير النظام باءت بالفشل، وتركت العالم يتعامل مع عواقبها. وبدلاً من ذلك، منح (المفاوض البارع) إيران سلاحاً اقتصادياً جديداً، ومزيداً من أوراق الضغط لانتزاع صفقة مؤاتية لمصلحتها».